فوزي آل سيف
101
أعلام من الأسرة النبوية
بعد إيمانه برسول الله وقد اشتد كلَب قريش ضاقت بالمسلمين أرض مكة بما رحبت وقد شمّر كفار قريش عن أيدي عداوتهم فنكلوا بضعفاء المسلمين وراح إثر ذلك آل ياسر شهداء وأخذت السياط مأخذها من بلال وأمثاله. رأى النبي الرحيم حال أولئك المسلمين وساءه ما أصابهم فأمر بالهجرة الى الحبشة. وكان لهذه المهمة جعفر، ولم تكن الهجرة مع جمع غفير سفرة عادية! خاصة وان الكثير منهم كانوا فقراء فلا بد من التفكير في وضعهم المادي كما ان هناك التحديات الدينية مع معيشتهم في بيئات غير مساعدة، وقد حصل أن بعض ما هاجر قبلئذ إلى الحبشة تنصر ومات على النصرانية [263]. كما تترافق الهجرة مع عدد من الضغوط النفسية تبعا للبعد عن الوطن والأهل والأقارب. مما زاد الموقف حرجا أن القرشيين لاحقوا المسلمين المهاجرين إلى الحبشة وحاولوا استعادتهم إلى مكة ليواصلوا فتنتهم عن دينهم فأرسلوا أدهى دهاتهم عمرو بن العاص ومعه الهدايا ليستميل الحاشية ويسترجع المهاجرين!! وينقل ابن هشام في السيرة ما حصل بعد ذلك عن أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت[264] ما نصه: " لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى، لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأُدم[265]، فجعلوا له أدما كثيرا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم، ثم قدما إلى النجاشي هداياه، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم، قالت: فخرجا حتى قدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار، عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، وقالا لكل بطريق منهم: إنه قد ضوى[266]إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم. ثم إنهما قدما هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا له: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شئ أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي! فقالت بطارقته حوله: صدقا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم.
--> 263 ) عبيد الله بن جحش زوج أم حبيبة بنت أبي سفيان. 264 ) يلاحظ على هذه الرواية أن أم سلمة لا بد أن تكون قد نقلتها عن غيرها، وإلا فهي لم تكن حين حصول الحدث في الحبشة، إذ أنها كانت في الهجرة الأولى التي قيل إنها في السنة الخامسة للبعثة، وأن هذه المجموعة المهاجرة بقيت في الحبشة من شهر رجب إلى شوال وعادت فيه على أثر الخبر الكاذب من أن قريشا آمنت ورفعت الأذى عن المسلمين، فرجع المهاجرون هؤلاء لمكة ليواجهوا عنت قريش.. وبقيت أم سلمة في مكة إلى أن يسر الله لها أمر هجرتها للمدينة كما سيذكر في ترجمتها وسيرتها.. فالمفروض أنها تنقله عمن كان في الحبشة في الهجرة الثانية.. 265 ) الجلود المدبوغة. 266 ) بمعنى أوى ووزنها.